أبي بكر الكاشاني

178

بدائع الصنائع

الا بالهدى وهو أن يبعث بالهدى أو بثمنه ليشترى به هديا فيذبح عنه وما لم يذبح لا يحل وهذا قول عامة العلماء سواء كان شرط عند الاحرام الاحلال بغير ذبح عند الاحصار أو لم يشترط وقال بعض الناس المحصر يحل بغير هدى الا إذا كان معه هدى فيذبحه ويحل وقيل إنه قول مالك وقال بعضهم إن كان لم يشترط عند الاحرام الاحلال عند الاحصار من غير هدى لا يحل الا بالهدى وإن كان شرط عند الاحرام الاحلال عند الاحصار من غير هدى لا يحل الا بالهدى احتج من قال بالتحلل من غير هدى بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل عام الحديبية عن احصاره بغير هدى لان الهدى الذي نحره كان هديا ساقه لعمرته لا لاحضاره فنحر هديه على النية الأولى وحل من احصاره بغير دم فدل أن المحصر يحل بغير هدى يحقق ما قلنا إنه ليس في حديث صلح الحديبية أنه نحر دمين وإنما نحر دما واحدا ولو كان المحصر لا يحل الا بدم لنحر دمين وانه غير منقول ولنا قوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله معناه حتى يبلغ الهدى محله فيذبح نهى عز وجل عن حلق الرأس قبل ذبح الهدى في محله وهو الحرم من غير فصل بين ما إذا كان معه هدى وقت الاحصار أم لا شرط المحصر عند الاحرام الاحلال عند الاحصار أو لم يشرط فيجرى على اطلاقه ولان شرع التحلل ثبت بطريق الرخصة لما فيه من فسخ الاحرام والخروج منه قبل أوانه فكان ثبوته بطريق الضرورة والضرورة تندفع بالتحلل بالهدى فلا يثبت التحلل بدونه وأما الحديث فليس فيه ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حل عام الحديبية عن احصاره بغير هدى إذ لا يتوهم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون حل من احصاره بغير هدى والله تعالى أمر المحصر أن لا يحل حتى ينحر هديه بنص الكتاب العزيز ولكن وجه ذلك والله أعلم وهو معنى المروى في حديث صلح الحديبية انه نحر دما واحدا ان الهدى الذي كان ساقه النبي صلى الله عليه وسلم كان هدى متعة أو قران فلما منع عن البيت سقط عنه دم القران فجاز له ان يجعله من دم الاحصار فان قيل كيف قلتم ان النبي صلى الله عليه وسلم صرف الهدى عن سبيله وأنتم تزعمون أن من باع هدية التطوع فهو مسئ لما انه صرفه عن سبيله فالجواب انه لا مشابهة بين الفصلين لان الذي باعه صرفه عن سبيل التقرب به إلى الله تعالى رأسا فاما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصرف الهدى عن سبيل التقرب أصلا ورأسا بل صرفه إلى ما هو أفضل وهو الواجب وهو دم الاحصار ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الهدى لاحصاره ما روى أنه لم يحلق حتى نحر هديه وقال أيها الناس انحروا وحلوا والله عز وجل أعلم وإذا لم يتحلل الا بالهدى وأراد التحلل يجب ان يبعث الهدى أو ثمنه ليشترى به الهدى فيذبح عنه ويجب أن يواعدهم يوما معلوما يذبح فيه فيحل بعد الذبح ولا يحل قبله بل يحرم عليه كما يحرم على المحرم غير المحصر فلا يحلق رأسه ولا يفعل شيئا من محظورات الاحرام حتى يكون اليوم الذي واعدهم فيه ويعلم أن هديه قد ذبح لقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله حتى لو فعل شيئا من محظورات الاحرام قبل ذبح الهدى يجب عليه ما يجب على المحرم إذا لم يكن محصرا وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه حتى لو حلق قبل الذبح تجب عليه الفدية سواء حلق لغير عذر أو لعذر لقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك أي فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق ففدية من صيام أو صدقة أو نسك كقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر أي فأفطر فعدة من أيام أخر وعن كعب ابن عجرة قال في نزلت الآية وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بي والقمل يتناثر على وجهي فقال صلى الله عليه وسلم أيؤذيك هو أم رأسك فقلت نعم يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم احلق واطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة أو صم ثلاثة أيام أو انسك نسيكة فنزلت الآية والنسك جمع نسيكة والنسيكة الذبيحة والمراد منه الشاة لاجماع المسلمين على أن الشاة مجزئة في الفدية وفى بعض الروايات ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة انسك شاة وإذا وجبت الفدية عليه إذا حلق رأسه لأذى بالنص فيجب عليه إذا حلق لا لأذى بدلالة النص لان العذر سبب تخفيف الحكم في الجملة فلما وجب في حال الضرورة ففي حال الاختيار